Breaking News
Home / Documents / شباب إرتريا، أين المفر؟

شباب إرتريا، أين المفر؟

شباب إرتريا، أين المفر؟

محمد عثمان حمد

the pathعجول في حظيرة، كلب أحمر بأبيض يشمشم الأرض وشرائح اللحم منشور على حبل، ونسر رابض على قمة شجرة أكاسيا، يا الله.  صورة من الطفولة في اللاوعي مازالت تبدو لي بالأحلام، في ليالي الحمى، التي قال عنها المتنبي، وزائرتي كأن بها حياء، فليس تزور إلا في الظلام.

أمي الله يرحمها، كل ما كنت أحكي لها هذا الحلم، كانت تقول، يا أخي يا محمد أسكت، ولم تناديني يوما يا ولدي، حيث من عادتنا الحلوة، عندما تقول الأم لابنها أخي،  أكثر حميمية من أن تقول له ولدي.

أتذكر إنه في أحد المرات، عندما أصبت بحمى قوية، بدأ يتراءى لي ذلك الحلم بوتيرة أسرع في كل ليلة مرة ومرتين، وأحيانا كنت استيقظ مفزوعا، وعلى  إثر ذلك كان أبي يقرأ القرآن في أذني قبل النوم، ومع ذلك استمر الحال.

قلقت أمي من هذا الأمر، فأخذتني على غفلة من أبي، إلى مفسر الأحلام وصاحب كرامات ذائع الصيت، في الضيعة المجاورة. فسألني متفرسا في عيني، ماذا ترى يا ولد، فقلت له أرى ما أرى، فتدخلت أمي قائلة انه يرى كلبا، فطمأنها مفسر الأحلام، قائلا: مادام الكلب أحمر بأبيض فهو مرقط، جسمه من لونين بدلا عن لون واحد، وإذن فهو ذئب، الذئب في الأحلام يعني الحظ السعيد، الجيد أنه يشمشم الأرض فهو يبحث عن رزقه، ولدك هذا رزقه واسع، وما يبين واسعة هذا الرزق اللحم المنشور والعجول الكثيرة المحشورة في الحظيرة، خير في خير ما شاء الله وتبارك الله، أما النسر الرابض فإن ولدك هذا سوف يسافر بعيدا بعيدا، فتسأله أمي إلى أين؟، فنظر إلى الأفق متأملا، فيقول أنني أراه يجتاز الصحاري والفيافي والبحار، بحر بحرين وثلاثة وأربعة بحار، يركب سفن تمخر عباب البحار أمواجها متلاطمة، أما شجرة أكاسيا وأشواكها المؤذية، هو مؤشر على البركة والنماء لأنها من الأشجار التي تزهر وتطرح الثمار،  وأشواكها حماية له من العين الحسود، فقضي الأمر الذي فيه تستفيان!. تأخذني أمي من يدي فتقول لي، ها قد فسر حلمك، ولا تقل هذا الحلم لأي إنسان كائنا من كان، لأنه سوف يحسدونك عليه، فتسألني وعد، فأقول لها وعد!.

ظللت أصدق هذا التفسير، وإنني سوف يكون لي الرزق الواسع وأسافر إلى بلاد بعيدة، حتى دخلت عالم فرويد الجهنمي، الذي كان يجلس على حجر أمه دونا عن أخوته، بينما محل ازدراء من أبيه، الذي كان يقول  له: ولد بوال لا فائدة منه، وبمجرد انتقل أبوه إلى عالم آخر ، بدأ ينتابه ذلك الحلم الشهير المتكرر، وهو يقدم مبولة لأبيه العاجز، وأسس على ذلك نظريته في تفسير الأحلام،  معتبرا أنها خبرات ورغبات مكبوتة ومترسبة في قيعان المخ في اللاوعي فتطفو أثناء النوم، عندما يكون البدن على غير ما يرام، وهو ينضح السموم.

أما بعد، فأعلم إنني سعيت وراء قطيع من الأغنام في سن مبكر جدا، خمس أو ست أو سبع سنوات، لا أدري، وكنت أسرح بها من صباح الله وأعود بها عند قبيل المغرب، ثم أحلبها وأسلم الغلة إلى أمي، التي كانت تخلطه مع حليب البقر، وكانت تقول أن حليب البقر يدر الزبد أكثر إذا خلط  بحليب النعاج!.

ولما كبرت قليلا، ارتفعت مكانتي عند أبي، فتركني أسرح مع الأبقار في المزرعة، وتلك كانت ميزة، لأنني أثبت جديتي في رعي الأغنام، وكان من الطبيعي أن أتطور إلى أن أرعى بهائم أكثر تطورا وهي الأبقار، لديها قرون ناطحة، وأرجل رافسة، وذيول صلبة تجلدك بها إذا أرادت، فهي أذكى من النعاج، ومنذ ذلك الوقت المبكر أدركت أن النعاج لا يفيد معها العقاب، بينما البقر لا يكرر الخطأ الذي عوقب على أثره قبل أن تمر على ذلك مدة.

وبعد هذا التدريب السريع، أخذني أبي إلى الخلوة. يسأل المعلم كم عمر الولد، وأبي يرد عليه: نحن الآن في “جالي زكى ودر زكى”، شهر زكاة الإبل وشهر زكاة الماعز، وشهر زكاة الغنم،  كان يذكر بعض الشهور من شهور السنة الشعبية، التي هي لا هجرية ولا ميلادية، لها حسبة خاصة بها.

فيسأله المعلم: عرفنا السنة والشهر، في أي يوم ولد، فيرد عليه أبي بفخر واعتزاز يوم الجمعة، فيرد عليه المعلم قائلا: الأولاد الذين يولدون في يوم الجمعة يصعب عليهم حفظ القرآن، ثم يطبطب على ظهر واحد من أخواتي سبقني إلى هذا المكان المبجل، فيقول أرجو أن يكون مثل أخيه نور، ما شاء الله، ما شاء الله، مثل “ليليك”، يقصد نبيه وسريع الحفظ، فيرد عليه أبي: انظر بنفسك، فيدفعني من ظهري إلى المعلم الذي يلوح بعصاه أمامي قائلا: هل ترى هذا، فعندما لم أرد عليه، يبتسم قائلا:فهو إما عنيد أو بليد، ثم يأمرني أن أجلس بالقرب منه.

إذن، كانت بداية حياتي على ذلك النحو أعلاه. فأقول هذا كله، لأنني حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها هذه المقالة، لا أعرف عمري، وهي أهم معلومة في حياة الإنسان. هذا حال الإرتريين من جيلي، جلهم بدون شهادات الميلاد، وإذا سألت أحدهم كم عمرك، فإنه يقول لك كيف ما كان، أن عمره كذا، بعدما يخصم منه خمسة أو عشرة أعوام، أو يقول مازحا أنه طفل يحبو، إنه صغير، إنه يريد أن يتزوج مرة ومرتين وثلاث، إنه في بداية حياته، ويتمسك بذلك حتى يطيح بمصيبة صحية، السكر والضغط وغيرها من الأمراض، فيسلم بالحقائق بعد فوات الأوان، ولكن الأكيد والأكيد  انه لا ينتظر منه أي انجاز إنساني أو وطني.  

أنا ومن هم في جيلي لم نمارس حياة الشباب كما ينبغي، لأنه بمجرد ما وعينا وأصبحنا مراهقين وجدنا أنفسنا مرغمين على أن نتصرف كالكبار، وكان مطلوبا منا أن نشارك في النضال الذي كان مستمرا قبل أن نأتي إلى هذه الدنيا.

والآن، وهنا أتحدث عن نفسي، إنني لم أعد شابا بل كهلا ينظر مليا إلى أيام شبابه التي أفلت ولن تعود. وكل ما استطيع قوله للشباب أن المستقبل سوف يكون زاهرا ومشرقا إذا استثمرتم طاقاتكم أولا في تحصيل العلم، ثم الانخراط في بناء الوطن، لأنه لا بديل عن الوطن.

على الشباب في إرتريا أن يغيروا من طريقتهم في التعاطي مع الأوضاع في إرتريا، لأن مستقبلكم في بلدكم وليس خارجه، وأنكم تتركون النعيم الحقيقي في بلدكم، ولن تجدوا النعيم في أوروبا وأمريكا، وتلك البلاد لأهلها وليس لكم، وأنه عار وشنار أن تتركوا أهلكم العاجزين، أخوانكم وأخواتكم وأمهاتكم وآبائكم الذين لم يعد بمقدورهم مواجهة الدكتاتور وآلته الأمنية القاسية، الذي لن يغير من أساليبه القذرة نحو الشعب إلا إذا واجهه الشباب لأنهم هم الفئة الوحيدة التي تمتلك القوة والطاقة المطلوبة والحماس والشجاعة والقدرة على تحمل الصعاب وحتى التضحية بالأرواح، من أجل إنقاذ البلد والشعب.

أن أبشع استراتيجيات الطاغية إسياس أن يشغل الشباب في إنجاز مشاريع قلع الحجارة وتأسيس الترع وجمع المحاصيل الزراعية الشحيحة، من أجل تحقيق مكاسبه ومكاسب المواليين له، وعلى هذا النحو يضغط على الشباب بشتى السبل ليستمروا في الهروب وبذلك هو يطمئن يوما بعد يوم إن الشباب يترك البلد، وإن البقية من الشعب لن تشكل عليه الخطر.

إن الدكتاتور يعلم أن الثورة قامت على أكتاف الشباب وهم كانوا وقودها، ولذلك هو يعمل على كسر شوكة هذه الفئة أولا بأول. ولذلك أغلق الجامعة الوحيدة والمعاهد، واستبدلها بمعسكرات الدق والرقص في ساوى.

أن مواجهة الدكتاتور أشرف لكم من الهروب، والموت من الجوع والعطش في الصحاري أو الموت في البحار غرقا. إن الدكتاتور حتى لو تظاهر أنه يعارض هذا المسلك، الهجرة من البلد،  فهو مرتاح من داخله لأنه يدرك أن الفئة الوحيد التي يمكنها أن تقلع نظامه القبيح من الجذور، تغادر البلد وأن من يتبقى من معارضيه هم الكبار والعجزة، والبقية الباقية من الحثالة الموالين له في الجيش والشرطة المنتفعين الآخرين من مصاصي الدماء في دوائر الدولة.

خلاصة القول، إنني أنادي على الشباب، الذين أعمارهم بين 15-35، لأنكم أنتم أصحاب المستقبل، لأن الكبار أخذوا حظهم في الحياة إن كان حلو أو مر،  وأن المستقل لكم، وهل تتركون مستقبلكم خلفكم، وتهربون إلى المجهول، أين المفر؟.

Sagga74@hotmail.com

 

 

About Super User

Check Also

نعى أليم فى فقيد الوطن .. الأستاذ/عمر جابر

نعى أليم فى فقيد الوطن .. الأستاذ/عمر جابر بقلوبٍ راضية بقضاء الله وقدره تلقينا نبأ …

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *