Breaking News
Home / Opinions / قلاع تتهاوى .. وأخرى تهتز

قلاع تتهاوى .. وأخرى تهتز

قلاع تتهاوى .. وأخرى تهتز

 د. جلال الدين محمد صالح 10/11/ 2013 

DR-JALALتهاوت قلاع عديدة بدءا من قلعة ابن علي في تونس، مرورا بقلعة حسني مبارك في مصر المحروسة، ثم قلعة القذافي بالعزيزية في ليبيا، وصنعاء، وما زالت أخرى تهتز في دمشق، سقط منها ما سقط، واهتز منها ما اهتز بغتة، وعلى حين فجأة، بعد أعمار طويلة من الحكم الحديدي والتسلط الأمني، امتد بعضها إلى ما بعد الأربعين عاما، ظلت خلالها واقفة على شموخها، تحيط بها أسوار عالية وشائكة، ومؤسسات أمنية مزودة بأحدث الأجهزة وأكثرها حساسية بهمسات البشر وهمهماتهم،

في حركاتهم وسكناتهم، إضافة إلى الآلاف المؤلفة من المخبرين الموكل إليهم متابعة المواطنين في الدوائر الحكومية، بمختلف قطاعاتها، وفي الأسواق، والمدارس، والجامعات، وفي المنازل، والأحياء، يعدون على الناس أنفاسهم، يقتادون منهم المشكوك في ولائه إلى غرف التعذيب، وزنزانات التحقيق اللاإنساني، يتمنى المبتلى بها الموت ولايجده، من هول وشناعة ما يعاني من فنون التنكيل.

 

ما أن ظن ساكنوها والمتحصنون بها أنها ما نعتهم من الله، أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فقذف في قلوبهم الرعب، حين نزع من نفوس المستضعفين الوهن، فهبت الجموع المظلومة المغلوبة على أمرها في أفواج وأمواج هادر؛ تنادي بأعلى صوتها: الشعب يريد إسقاط النظام.

ساعتها قال ابن علي: فهمت .. فهمت .. ولكن حين الغرق والاحتضار، في وقت لا معنى للفهم فيه، آ الآن وقد كفرت من قبل؟، ولما لم يجد أذنا صاغية هرب بالجمل وما حمل، ناجيا ببدنه؛ ليكون آية لمن خلفه، وكلنا يذكر ذلكم التونسي الذي خرج في ظلام الليل من منزله، في حي من أحياء العاصمة التونسية؛ وأهلها نائمون، يبشرهم قائلا: بن علي هرب .. بن علي هرب … المجد لتونس.

ثم بعد يوم أو يومين من رحيل بن علي خرج القذافي على شعبه، منددا بالثورة التونسية التي أطاحت بابن علي ونظامه، وتمنى لابن علي أن لو بقي رئيسا لأزمنة مديدة، وأعوام عديدة، وكأنه يحذر شعبه من أن يقتفي أثر الشعب التونسي، وكأنه يقول لهم: إياكم أن تفعلوا بي فعل تونس بابن علي، فأنا باق أكثر مما تستكثرون وتستنكرون.

ثم امتدت الشرارة إلى مصر، وهتفت حناجر المصرين بإسقاط حسني مبارك، وحينها قال حسني ومن معه من وزرائه ورجال إعلامه : (ليست مصر تونس ولا تونس مصر) وفعلوا كل ما يمكنهم فعله للحيلولة دون حدوث ما حدث في تونس، إلا أنها أيام تلاحقت، واستعصت على الجمال، والخيول، والهراوات المكهربة، معتصمة في ميدان التحرير، حتى اضطر الرئيس حسني مبارك على الاستقالة، وترك كرسي الحكم إلى غير رجعة، تبعتها محاكمات له ولوزرائه وأبنائه بتهم الفساد الاقتصادي، والإفساد السياسي، وقتل المتظاهرين.

إثر ذلك انتفض سكان بنغازي في ليبيا القذافي، وأحس ملك ملوك أفريقيا، وعميد رؤساء العرب، أن الجماهيرية العظمى في خطر، وأن النار تقترب من قلعة العزيزية، فخرج متوعدا بالقتل والدمار الشامل لليبيا وتحويلها إلى كتلة من النار الملتهبة، كما فعل (نيرون) بروما، مهددا بفتح خزائن الأسلحة أمام أنصاره؛ لسحق من وصفهم بالجرذان بعد تتبعهم دارا.. دارا، زنكة .. زنكة .. وقال لنا هو الآخر: واهمون أنتم (ليست ليبيا تونس ولا مصر) إنها الجماهيرية العظمى، الآمر فيها والناهي الشعب وحده، وما القذافي في الجماهيرية إلا مجرد قائد رمزي، لا يعلو صوته فوق صوت الشعب، لكن الثورة العارمة كانت أكبر مما تصور، ومقدار الوعي فيها أكبر مما تخيل، أجبرته على ترك قلعة العزيزية بكل تحصيناتها وزينتها، وفرضت عليه اللجوء إلى مصراته؛ لتنتهي حياته بقبض الثائرين عليه مختفيا في أنبوب (المجاري) كالجرذان تماما، هلوعا جزوعا، تصفعه الأيدي الثائرة في وجهه، والدم ينزف من جبهته، وهو لا يكاد يصدق ما ألم به، بينما أصبح القتل والفرار واللجوء من نصيب عائلته. 

تحدث كل هذا التطورات في دول من المحيط العربي؛ والوضع في إرتريا لا يختلف في جانبه الأمني القمعي عما كان عليه الأمر نفسه في تونس بن علي، وليبيا القذافي، إن لم يكن أشد منه وأنكى، ولا عجب حين يتجاهل التلفزيون الإرتري كل هذه الأحداث بقصد عزل الشعب الإرتري عن متابعتها، خشية التأثر بها، كالنعامة تماما تدفن رأسها وتحسب أن الصياد لا يراها، ومن منطلق أن (إرتريا ليست تونس، ومصر، وليبيا) لكن النظام نسي أن العالم أضحى اليوم قرية واحدة، ولا يمكن عزل جماعة منه عن أخرى، وأن النار التي تندلع هنا يمكن بكل سهولة أن تمد ألسنتها المحرقة إلى هناك، وأن الشعوب التي طال قمعها لا تستسلم إلى ما لا نهاية، وأن القمع، والقتل، والطغيان مهما طال عهده، واشتدت حدته وشراسته فإنه على موعد مع الزوال والمحاكمات العادلة للمجرمين الملطخين بدماء الأبرياء، فالأمر كما قال الشعب الليبي:دم الشهداء ما يمشيش هباء.

هذه هو الواقع الحقيقي الذي أثبتته الأحداث من دون استثناء، وهذا هو أهم درس سطرته أنامل الثورات على مدار العهود كلها، يعيه الواعون بسنن التاريخ، وتؤكده غضبة الشعوب عندما تكسر قيودها، متحدية الدبابات، ومفضلة الموت على حياة المذلة، وهو ما سيتجرعه أفورقي في إرتريا حتما، مهما تغافل عنه، وظن أنه غير معني به، وهو في مأمن منه، بقوة أمنه، وشدة بطشه.

لقد ضيع نظام الجبهة الشعبية برئاسة إسياس أفورقي أكثر من فرصة إصلاح وطني مثله في ذلك مثل كل الأنظمة الديكتاتورية التي سبقته وعاصرته، وتحالف معها وتحالفت معه، وبات اليوم معزولا، يبحث عن سبيل للخروج من عزلته هذه، وما نظنه يجدها مهما كانت المحاولات من نحو افتتاح تلك المشاريع الشكلية (طريق كسلا اللفة).

إنها سنة الله في الذين ظلموا، يملي لهم من غير إهمال، حتى إذا ما ظنوا أن لا سبيل لهز عروشهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر؛ وزلزل الأرض من تحت أقدامهم وهم لاهون، مغرورون بجبروتهم؛ ليكونوا آية لمن خلفهم، وعظة لمن بعدهم، غير أن الطغاة قليلا ما يتعظ اللاحق منهم بالسابق!!.

أجل، الشعب الإرتري في داخل البلاد ما زال صابرا، والحصار المضروب عليه من أفورقي ما زال محكما، وآلة القهر والكبت المسلطة عليه ما زالت قاسية، وما زالت المأساة والمعاناة التي يعيشها شعبنا تتفاقم يوما بعد يوم، حتى الذين اقتربوا من حدود مصر هاربين من حياة البؤس والشقاء شاء القدر أن يسلموا إلى من هربوا منه؛ ليلاقوا مصيرهم الذي لاقوا، وحتى الذين ركبوا البحر  إلى روما الإيطالية استقبلتهم الشواطئ الإيطالية وهم جثث هامدة، لكنها في الوقت نفسه أيام وتنقضي، ولابد أن تتفاعل آثارها في داخل وجدان هذا الشعب الأبي، وقواه الوطنية في الجيش الشعبي، تتقدم يوما بعد آخر نحو ساعتها التي ستنفجر فيها حتما لا محالة، وعندها تتحقق تلك اللحظة التي هرمنا جميعا في انتظارها، ويومئذ نسمع الشعب الإرتري يقول لجزاره: إرحل .. إرحل .. الشعب يريد محاكمة النظام .. (هجدف عدنا جدف) ويومها سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، يقولون: متى هو؟ قل: عسى أن يكون قريبا.

 

وكتبه / أ . د. جلال الدين محمد صالح

10/11/ 2013

 

 

About Eritrea

Check Also

كيف نتعافى؟

كيف نتعافى؟ بعث موسى عليه السلام إلى مجتمع العبيد من الإسرائيليين اعتادوا حياة الذل والعبودية …

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *